محمد أبو زهرة

36

زهرة التفاسير

وإنه كلما اتسع أفق العقل البشرى في فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم ، ولعل هذا هو الحقيقة التي أشار إليها بعض الصحابة ، إذ روى عن أبي الدرداء أنه قال : « لا يفقه الرجل ، حتى يجعل للقرآن وجوها » أي اتجاهات متلاقية ، ولكن بعضها أعمق من بعض ، وكله حق . وروى عن ابن مسعود أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن للقرآن ظاهرا وباطنا » « 1 » وليس هو الباطن الذي يقوله الباطنية ، إنما الباطن الذي أشار إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم هو الباطن الذي تدل عليه إشارات العبارات القرآنية ، من أسرار الإعجاز البياني ، وإلى ما تشير إليه من حقائق كونية ونفسية وخلقية وأحكام عملية ، وغير ذلك من المعاني التي يدركها العالم المتعمق ذو البصيرة النيرة الذي آتاه الله تعالى نفاذ بصيرة ، واستقامة فكر ، كالذي يدركه علماء الأكوان في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) [ الأنبياء ] فالمعنى الظاهر لكل ملمّ باللغة العربية هو أن السماوات والأرض كانتا متصلتين ، وهذا معنى سليم هو الظاهر ، والعالم المدرك للأكوان الباحث فيها يعرف كيف كانت السماء والأرض كتلة واحدة ، وكيف انفصلت الأرض وتكونت عليها القشرة الأرضية ، وكيف كان الماء العذب ، والملح الأجاج . وهكذا نجد أن كل تال للقرآن يدرك من معانيه بمقدار إدراكه وعلمه . والغزالي يقرر أن المعاني اللغوية ، وما يشير إليه النقل والسماع هو المفتاح والطريق للمعنى العميق الذي يدركه الناس كلما تفتقت العقول واتسعت المدارك واطلعت على حقائق الكون ، وأدركت معاني الآيات الطالبة للنظر في الكون ، فهو اللوح الذي كتبت فيه حقائق هذا الوجود ، وفيه الدلالة على وجود الله تعالى ، وإبداعه . ويقول الغزالي في ذلك : « العقل والسماع لا بد منهما في ظاهر التفسير أولا ؛ ليتقى به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط واستخراج الغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع ، ولا مطمع في الدخول إلى الباطن قبل إحكام

--> ( 1 ) أخرجه ابن حبان في صحيحه وذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ج 1 - ص 99 .